الهمزة والنون والفاء أصلان منهما يتفرع مسائل الباب كلها: أحدهما أخذ الشيء من أوله، والثاني أنف كل ذي أنف. وقياسه التحديد. فأما الأصل الأول فقال الخليل: استأنفت كذا، أي: رجعت إلى أوله، وائتنفت ائتنافا. ومؤتنف الأمر: ما يبتدأ فيه. ومن هذا الباب قولهم: فعل كذا آنفا، كأنه ابتداؤه. وقال الله تعالى: {قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا} [محمد: 16] .
والأصل الثاني الأنف، معروف، والعدد آنف، والجمع أنوف. وبعير مأنوف يساق بأنفه، لأنه إذا عقره الخشاشانق
اد. وبعير أنف وآنف مقصور ممدود. ومنه الحديث: «المسلمون هينون لينون، كالجمل الأنف، إن قيد انقاد وإن أنيخ استناخ» . ورجل أنافي عظيم الأنف. وأنفت الرجل: ضربت أنفه. وامرأة أنوف طيبة ريح الأنف. فأما قولهم: أنف من كذا، فهو من الأنف أيضا، وهو كقولهم للمتكبر: " ورم أنفه ". ذكر الأنف دون سائر الجسد لأنه يقال: شمخ بأنفه، يريد رفع رأسه كبرا، وهذا يكون من الغضب. قال:
ولا يهاج إذا ما أنفه ورما
أي: لا يكلم عند الغضب. ويقال: " وجعه حيث لا يضع الراقي أنفه ". يضرب لما لا دواء له. قال أبو عبيدة: بنو أنف الناقة بنو جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، يقال: إنهم نحروا جزورا كانوا غنموها في بعض غزواتهم،
وقد تخلف جعفر بن قريع، فجاء ولم يبق من الناقة إلا الأنف فذهب به، فسموه به. هذا قول أبي عبيدة. وقال الكلبي: سموا بذلك لأن قريع بن عوف نحر جزورا وكان له أربع نسوة، فبعث إليهن بلحم خلا أم جعفر، فقالت أم جعفر: اذهب واطلب من أبيك لحما. فجاء ولم يبق إلا الأنف فأخذه فلزمه وهجي به. ولم يزالوا يسبون بذلك، إلى أن قال الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهمومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
فصار بذلك مدحا لهم. وتقول العرب: فلان أنفي، أي: عزي ومفخري. قال شاعر:
وأنفي في المقامة وافتخاري
قال الخليل: أنف اللحية طرفها، وأنف كل شيء أوله. قال:
وقد أخذت من أنف لحيتك اليد
وأنف الجبل: أوله وما بدا لك منه. قال:
خذا أنف هرشى أوقفاها فإنهكلا جانبي هرشى لهن طريق
قال يعقوب: أنف البرد: أشده. وجاء يعدو أنف الشد، أي: أشده. وأنف الأرض: ما استقبل الأرض من الجلد والضواحي. ورجل مئناف: يسير في أنف النهار. وخمرة أنف أول ما يخرج منها. قال:
أنف كلون دم الغزال معتقمن خمر عانة أو كروم شبام
وجارية أنف مؤتنفة الشباب. قال ابن الأعرابي: أنفت السراج: إذا أحددت طرفه وسويته، ومنه يقال في مدح الفرس: " أنف تأنيف السير "، أي: قد وسوي كما يسوى السير. قال الأصمعي: سنان مؤنف، أي: محدد. قال:
بكل هتوف عجسها رضويةوسهم كسيف الحميري المؤنف
والتأنيف في العرقوب: التحديد، ويستحب ذلك من الفرس.